يوماً بعد يوم أصبح أبي

1 1٬115

هي خطوات بين باب المطبخ والفرن، كنت أخذت القرار أني سوف أشرب الشاي على غير عادتي، لا أدري السبب لكني اشعلت النار ووضعت الأبريق المخصص للمتة، هي نقلة نوعية نوعاً ما، و فتحت شباك المطبخ علها تدخل نسمة بادرة وتقتل هذا الحر الخانق في اواخر ايار، ورحت أقول لنفسي لقد صعدت الدرج دون استراحة وهيا لمرة الأولى التي لا أتوقف فيها عند الطابق الثالث لأسترد أنفاسي، اللياقة أو العادة لا أدري ،وتابعت الحديث وأنا أضع  ورق الشاي في الأبريق الصغير، لقد ضحيت بتاريخ المتة وأعلنت انتصار الشاي عليها، الآن في الساعة التسعة من ليل الواحد والعشرين من أيام لعام 2019.

عندما كنت ذاهباً إلى مكتبي قبل أربعة أيام، دخلت بدون تفكير إلى محل لبيع الأدوات المنزلية واشتريت كوباً مخصصاً للشاي، لونه أبيض وستة ملاعق صغيرة مخصصة لتحريك الشاي ومضيت، الآن فقط أيقنت لماذا اشتريت هذا الكوب، فأخرجته وسكبت الشاي، رائحة مميزة، نكهة لا أعلم سرها، وضعت ملعقتين من السكر فقط مع أني أحب الشاي سكر زيادة، حركت الشاي بالملعقة الجديدة، وعندما جلست إلى طاولة المكتب وبدون معرفة الحالة التي احتلت كياني تذكرت ” أبي “، وخطرت لي هذه الجملة ” يوماً بعد يوم أصبح أبي”.

هي جملة وردت إلى خيالي هكذا، نعم أنه الشاي المفضل عند أبي رحمه الله، كان كوب الشاي الثقيل لا يفارقه، حين يجلس أمام التلفاز يتابع نشرات الأخبار، وذاته الكوب حين يتابع مباريات الدوري الألماني – كان من مشجعي ألمانيا وبايرن ميونخ – وهو ذاته حين يقرأ الجرائد مساء كل يوم في غرفته، والسيجارة ما فارقت يده والكوب، فعلاً كان الشاي ثقيلا ً جداً، أيقنت ذلك منذ الرشفة الأولى، ولكن لم أستغرب الطعم ولا قلة السكر، وانما أشعلت سيجارتي ورحت اقرأ مقالاً عن الميتافيزيقية لم أفهم منه شيئاً لكني تابعت القراءة، ورويداً رويداً عادت صورة أبي أمامي وهذه العبارة ” يوماً بعد يوم أصبح أبي “.

عندما أيقظتني أمي ظهيرة ذاك اليوم وهي تصرخ أبوك، هي خطوات وكنت أمامه، كان على كعادته جالس أمام التلفاز يتابع برنامجه الصباحي على قناة الجديد وكوب الشاي على المنضدة وسيجارته بين أصابعه، لكن نظارته كان قد وضعها جانباً، للوهلة الأولى انتابني شعور بالراحة الداخلية أنه رحل بهدوء وبجانبه ما كان يحب طوال حياته، أو ما كان معتاد عليه، ربما كان نفسه الأخير من تلك السيجارة التي سأحتفظ بها لاحقاً، هذه الأفكار كانت عبارة عن ثانيتين بين وقوفي أمامه وبين استيعابي أنه فارق الحياة، وكيف سأعلن وفاته لأمي الواقفة بجانبي تقول بصوت خافت يارب يارب يالله لا يا أبو محمد.

أصبح الشاي بارداً فقد أمضيت دقائق في رحلتي إلى تلك الغرفة بيت بيتنا القديم، وقررت تسخين الشاي مرة أخرى، وفعلا ً عدت إلى المطبخ ووضعت الأبريق على النار معلناً نهاية عهد المتة مرة أخرى خلال أقل من ساعة، لربما هي قطيعة بيننا، وبينما كنت أضع الكوب على الطاولة وأعيد الجلوس بذات الوضعية، سألت نفسي أذا كان الكوب الأول ثقيلا ً فكيف سيكون الكوب الثاني، ووضعت ملعقة واحدة من السكر فقد، لقد تنازلت عن ملعقة سك بسرعة قياسية.

أخذت صورة للكوب ونشرتها على الفيس بوك بعنوان ” يوماً بعد يوم أصبح أبي ” وكأن هذه الجملة جني صغير من اللاوعي سكن روحي، أم ترى هي جينات تفاعلت بعد هذه السنوات، أنها مشاعر غريبة تتلاعب في مخيلتي، وغادرت المكتب قرابة الساعة الواحدة ليلا ً، وكأني في حالة تجيلي صوفية، وبعد حمام ساخن وضجيج المسلسلات وصوت أبني عبد الإله يملى الصالون، جلست على غير العادة إلى طاولة مكتبي، وكنت قد تركت الاب توب في المكتب حتى لا تضعف نفسي وأعود للعمل مرة أخرى، حتى أجهزة الجوال رميتها بعيداً عني.

نهضت واقفاً، ذهبت إلى المطبخ، وضعت الأبريق على النار، أخرجت علبة متة قديمة من أحد الأدراج، كانت منتهية الصلاحية من ماركة بيبوري التي لا أطيقها هذا وكنت قد قررت عدم شرب المتة في المنزل، يالله طعم المتة سيء جداً، هل هي حقا ً منتهية الصلاحية أم أن القطيعة تفاعلت بيني وبينها، وعدت لمتابعة القراءة، سندس، عبد الحميد الجنزير، رباح، عزمي، جبران، شخصيات رواية جمال ناجي عندما تشيخ الذئاب، قررت أن اطلع عليها بعد أن تابعت حلقات من المسلسل.

اطفأت جهاز الكومبيوتر الثابت، وبدون وعي أخرجت كل الدفاتر الجديدة – لدي عشق لشراء الدفاتر والاحتفاظ بها – سأكتب شيئاً، هذا .. لا .. هذا … لا هذا ، أين قلم الحبر الذي اشتريته منذ سنوات ولم أكتب به بعد، وما أن مضت عشر دقائق حتى  كنت أكتب العنوان على ورقة ماعون بيضاء أجريتها من الدرج الأخر، وأيقنت حينها لماذا جلبت ماعون الورق قبل أسبوع مع عدم حاجتي له ولا توجد طابعة أصلا ً في البيت.

عندما كتبت العنوان اخطأت وكتبت ” يوماً ما سأكون أبي ” تركته وكتبت تحته ” يوماً بعد يوم أصبح أبي “، وقبل أن أكمل الكتابة قال لي عبد الإله الصغير، بابا أرسم مثلك، أعطيته ورقة وقلم وجلس بجانبي ينظر إلى ويخربش على ورقته، وها أنا قد وصلت إلى الصفحة الرابعة من هذه المادة التي لا أعرف ماهي، مقالة، خاطرة، هاجس عابر، لوثة الكتابة، لقد شارفت على النهاية، ولربما يوماً ما سيجلس ولدي هذا على طاولة ما ويكتب عبارة ” يوماً بعد يوم سأكون أبي “.

 

 الحسكة – 22-5-2019 

 

 

تعليق 1
  1. عبد السلام المرعي يقول

    سرد ولا أروع
    لم اتفاجئ بك أبو عبد الإله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.