أول مشرع في التاريخ

0 932

كانت البداية وكان الفرد وبدأت الحياة البشرية على كوكب الأرض، ومع الفرد بدأت مراحل تطور المجتمع البشري إلى الأسرة ومنها الجماعة ومنها القبيلة والعشيرة وبعدها تطور إلى المجتمع الريفي ومن ثم المدينة وبدأت حينها دولة المدينة وتلتها مع تطور المجتمع إلى الدولة والمملكة والإمبراطورية ومن ثم الجمهورية في عصرنا الحالي .

أذا ً ومن نظرة أخرى نرى تقسيم المجتمع البشري يقوم على أربع ركائز وهي : 1-الفرد 2- الجماعة – 3 الأمة 4- نظام عالمي ، وهنا ندخل إلى فكرتنا الأساسية وهي بعد تشكل المجتمع البشري وتطوره ، فكر العقل الإنساني بأن هذا المجتمع يحتاج إلى قانون يديره وينظمه ، والقانون يحتاج إلى مشرع يشرعه ، والمشرع يحتاج إلى سلطة تمنحه هذه الصلاحية والشرعية، فكان الخالق كل شيء هو من أعطى الشرعية للمشرع ليشرع القانون .
فمن كان أول مشرع في التاريخ الإنساني ، ومن أين أخذ سلطته الشرعية ؟
تقول الاكتشافات الأثرية في بدايات القرن التاسع عشر أن أول مشرع في التاريخ كان ( اور – نامو “ur-nammu ” ) ، ابن مدينة اور السومرية ، وقبل أن نتحدث عن اور- نمو ، لنتعرف على مدينة ( اور ) ، واور حاليا ً موقع أثري لمدينة سومرية بتل المقير جنوب العراق، وكانت عاصمة للسومريين عام 2100 ق.م.. وكانت بيضاوية الشكل وكانت تقع على مصب نهر الفرات في الخليج الفارسي قرب( اريدو) الا انها حاليا تقع في منطقة نائية بعيدة عن النهر وذلك بسبب تغير مجرى نهر الفرات على مدى الأف السنين الماضية، تقع أور على بعد بضعة كيلومترات عن مدينة الناصرية جنوب العراق وعلى بعد 100 ميل شمالي البصرة، وتعتبر واحدة من أقدم الحضارات المعروفة في تاريخ العالم، واشتهرت المدينة بالزقورة التي هي معبد ( لنانا الهة القمر في الاساطير (الميثولوجيا) السومرية.
بعد النبذة المختصرة عن مدينة ( اور ) نعود إلى ( اور- نمو ) لنعرف كيف كان المشرع الأول في التاريخ، حيث تقول الميثولوجيا السومرية وكما ورد في كتاب ( انكي المفقود ) المنقول عن الألواح السومرية القديمة :
كان الملك في المنطقة الأولى في حالة فوضى ، وانتقل الملك من مدن الآلهة إلى مدن الناس ، كان الملك ينتقل بين آنونجكي (unug-ki ) ، لجاش (lagash )، اوريم (urim ) وكيش (kish ) ، اسن (isin ) وإلى اماكن بعيدة ، ثم بعد استشارة إنليل (enlil ) لآنو (anu ) ، اودع الملك في يد ناننار (nannar ) ، واعطى الملك للمرة الثالثة لأوريم التي بتربتها ظل الجسم الصالح الساطع المقدس مزروعاً ، نصب ناننار (nannar ) راع صالح ملكاً على للناس على اوريم وكان اسمه ( اور – نامو “ur-nammu ” ) ، واسس اور – نامو الإنصاف في الأراضي ، وجعل نهاية للعنف والصراع وكان الرخاء وفيراًفي جميع الأراضي .
وتقول الأكتشافات الأثرية التي عثر عليها أيضاً :
اورنمو (اورنامو او اور انغور او اور كور-2047-2030 ق م) مؤسس سلالة أور الثالثة في بلاد الرافدين كما انه مؤسس أول شريعة قانونية في التاريخ التي سبقت شريعة الملك البابلي حمورابي بثلاثة قرون ، وتمكن اورنمو من توحيد المدن السومرية من ( أور و إريدو و أوروك و لكش و نيبور و كيش و أداب و اوما ) ضد حكم الكوتيين وتمكن استعادة حكم بلاد الرافدين من الكوتيين الذين احتلوه و الذين اسقطوا الإمبراطورية الأكدية ولقب نفسه بملك بلاد سومر و أكد.
اورنمو تمكن من بناء عدة معابد منها مبنى الزقورة العظيمة في ( اور) وكذلك قام ببناء معبد في مدن اخرى كنيبور و لارسا و كيش و أداب و اوما وقام بتشريع اول شريعة قانونية في التاريخ، أذا تمكن الملك اور – نمو من تأسيس حكم السلالة الثالثة في مدينة ( اور ) وتوحيدها مسيطرا ً على المدن المجاورة في تلك الفترة، عندها كان بحاجة لقانون يسير عمل هذه الدولة التي يسيطر عليها، ومن سلطة الآلهة أخذ السلطة التي شرع بها أول قانون في التاريخ لتنظيم حياة دولة المدينة السومرية، وقد تم التعرف على بعض أجزاء هذا القانون منقوشة على لوح بالخط المسماري تم اكتشافه في مدينة نفر ولوح آخر في مدينة أور، وهو يحتوي على مقدمة وعدد من المواد (31 مادة).
مقدمة قانون أورنمو :
تحتوي على ما قدمه الملك من قرابين إلى اله المدينة وتضمن نظرية التفويض الإلهي وهي ان الاله اختار وفوض اورنمو ليمثله في الأرض وأشادت بمنجزات الملك وإقامة العدل بالبلاد والقضاء على الفساد الاقتصادي الذي كان يتمثل في تعرض الحقول والتجارة البحرية ورعاة المواشي والثيران والأغنام للسرقة. واستطاع الملك أن يحقق العدل والحرية في بلاد سومر وأكد أن اليتيم لم يعد يسلم إلى الرجل الغني ، وأنشأ الملك نظام لتثبيت المكاييل والموازين.
مواد قانون اورنمو  –  من أمثلة المواد التي تم التعرف عليها:
المواد من 4 إلى 12، كانت تعالج مسائل الأحوال الشخصية كالطلاق والخيانة الزوجية والخطوبة، وتنص المادة الرابعة على حق الزوج بقتل زوجته الزانية وإطلاق سراح الرجل الذي ارتكب معها الزنا، المادة الخامسة تتعلق بحالة اغتصاب رجل لأمة بكر وكانت العقوبة هي تعويض مالك الأمة بخمس شيقلات من الفضة، المواد السادسة والسابعة والثامنة كانت تحدد شروط الطلاق ?
المادة الحادية عشر تناولت اتهام شخص لأي من الزوجين بالخيانة الزوجية ووسيلة إثبات ذلك الاتهام وكذلك عقوبة الاتهام الكاذب،تناولت المادة الثانية عشرة حق الخاطب الذي تقدم بهدايا إلى خطيبته ووالدها وعدل الأخير عن الخطبة وقام بتزويجها إلى شخص آخر فكان للخطيب الأول الحق في تعويض يقدر بضعف ما قد دفعه من هدايا، المادتان الثالثة عشر والرابعة عشر تناولتا مسألة هروب الرقيق، المواد من 13 إلى 23 تناولت حالات إيذاء الأشخاص الاعتيادين أو الرقيق وحالات اعتداء الرقيق على أسيادهم .
وعالجت المادتين الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون موضوع شهادة الزور، بالنص على عقوبة توقع على شاهد الزور وهي تغريمه خمسة عشرة شيقلاً من الفضة أما إذا أدلى الشخص في قضية ورفض أن يؤدي اليمين على هذه الشهادة التزم بدفع غرامة تساوي قيمة الحق المتنازع عليه ،أما بقية المواد فكانت تتعلق بموضوعات الاعتداء على الأراضي الزراعية وبعض الأمور المتعلقة بالزراعة .
وتقول الاكتشافات ان الملك اورنمو قتل سنة 2030 ق م بعد معركة امام الكوتيين وبعد ان تمكن من تحرير كامل الخليج السومري من السيطرة الكوتية وخلفه بعده ابنه شولجي، وسار على ما بدأه ابوه من إصلاح وبناء في المملكة ، وبعد أن تعرفنا على شخصية المشرع ومكان حصول التشريع وزمنه لابد لنا أن نختم ببعض التوضيحات :
أستمر حكم الملك اورنمو ما بين ( 2047-2030 ق م ) أي قبل ثلاثة قرون من زمن الملك حمورابي الذي كان المشرع الثاني في التاريخ وكان أغلب الدارسين والعامة يضنون أن شريعة حمورابي وقوانينه هي الأولى في التاريخ .
الميثولوجيا السومرية :
وهي مجموعة معتقدات حول الآلهة للسومريين , حيث اعتقدوا بتعدد الآلهة و تزاوجها وأثرت هذه المعتقدات على الحضارات التي نشئت بعد السومرية في بلاد الرافدين مثل الأكادية و البابلية و الآشورية .

 

 

المراجع :
كتاب انكي المفقود – الكاتب : زكريا سيتشن .
الكتابة في الشرق الأدنى القديم ، من الرمز حتى الأبجدية – الكاتب : سليمان بن محمد الذييب .
المقبرة الملكية في اور – الباحث بهنان أبو الصوف .
بالأضافة لعدت دراسات مختصة بذات الفترة الزمنية .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.